بدون إسرائيل، لا وجود لهوية "فلسطينية"
“لا أظن أن هناك أمة فلسطينية. متى وُجد الفلسطينيون أصلاً؟”
هذا السؤال البلاغي طرحه عزمي بشارة، العضو السابق في الكنيست الإسرائيلي، عربي فخور، والمتهم بالتجسس لصالح حزب الله (الذي هرب وفرّ إلى قطر). قال ذلك بالعبرية خلال حلقة نقاشية على التلفزيون الإسرائيلي سنة ١٩٩٦. وكان الضيوف الآخرون من اليهود الإسرائيليين ذوي التوجهات اليسارية في حالة صدمة واضحة.
بالطبع، لم يكن يكرر سوى حقيقة قديمة مزعجة.
في عام ١٩٧٧، صرّح زهير محسن، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، للصحيفة “ترو” الهولندية قائلاً: “الشعب الفلسطيني لا وجود له. إنشاء دولة فلسطينية ليس سوى وسيلة لمواصلة كفاحنا ضد دولة إسرائيل من أجل وحدتنا العربية. ... لأسباب سياسية وتكتيكية فقط نتحدث اليوم عن وجود شعب فلسطيني، لأن المصالح القومية العربية تتطلب أن نطرح وجود شعب فلسطيني متميز بمعارضة الصهيونية.”
مرة أخرى: “إنشاء دولة فلسطينية ليس سوى وسيلة لمواصلة كفاحنا ضد دولة إسرائيل….”
وفي كانون الثاني/يناير ٢٠٠٢، أعادت حركة “فتح”، كبرى فصائل منظمة التحرير ورأسها محمود عباس (أبو مازن)، كرر هذه الفكرة الواضحة, القوية, المهمة نفسها. ففي بيان رسمي بمناسبة الذكرى الـ٣٧ لتأسيس فتح، أعلنت الحركة الإرهابية أن كياناً فلسطينياً شرعياً يشكل أهم سلاح يملكه العرب ضد إسرائيل.”
بعبارة أخرى، “الفلسطيني” هو مئة بالمئة هوية مضادة – لا وجود لها إلا بقدر ما تخدم إنكار الجذور اليهودية والسيادة والحرية اليهودية.
قد يبدو هذا للبعض فكرة متطرفة، لكن الأدلة متوافرة لمن يريد أن يرى.
حتى “حماس” توافق: “نصف الفلسطينيين مصريون والنصف الآخر سعوديون. من هم الفلسطينيون؟ ... قد يكونون من الإسكندرية، من القاهرة، من دمياط، من الشمال، من أسوان، من صعيد مصر.” هكذا قال وزير داخلية حماس فتحي حماد على قناة “الحِكمة” بتاريخ آذار/مارس ٢٠١٢.
وكما هو معروف، فإن قبل ١٩٤٨، صحيفة “فلسطين بوست” ، والأوركسترا الفلسطينية، وفريق كرة القدم الفلسطيني في ثلاثينيات القرن الماضي، وغيرها من المؤسسات المشابهة، كانت جميعها ابتدأها اليهود وكانت تحت إدارة يهودية.
بل حتى الشعار الاحتجاجي الشائع اليوم “Free Palestine” - “حرروا فلسطين” - كان أصله شعاراً يهودياً.
لكن في نهاية المطاف، أصبحت “الفلسطينية” تُقدَّم كهويّة عرقية عربية – وليس مجرد توصيف جغرافي – وقد ترسّخت هذه الهوية بالارتباط العكسي مع تخلي اليهود عن ذلك اللقب الاستعماري الروماني-الأوروبي المزوَّر لصالح الاسم الذي حملوه اليهود لآلاف السنين: “إسرائيلي”.
وهذه نقطة بالغة الأهمية لإثبات أن هوية العربي الفلسطيني لا وجود لها من دون اليهود وإسرائيل. فبالإضافة إلى التصريحات الصريحة التي أشرنا إليها، هناك مسألة الأراضي التي يُراد لها أن تكون جزءاً من “فلسطين”.
لقد سمعنا كثيراً أنها “من النهر إلى البحر” – أي من نهر الأردن إلى البحر المتوسط. بمعنى آخر، بدلاً من الدولة اليهودية وكل الأراضي الواقعة تحت أي سيطرة إسرائيلية.
جدير بالملاحظة أن الشعار العربي الذي يُردَّد غالباً مع الشعار الاجليزي، صادقا أكثر : “من الميّة للميّة فلسطين عربية”. بينما يبدو أن “من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة” شعار تحرير، فإن “من ماء إلى ماء، فلسطين عربية” يكشف عن حقيقته كما هي.
تذكروا بيان فتح عام ٢٠٠٢ بمناسبة مرور ٣٧ سنوات منذ أول عملية إرهابية؟ هذا يضع تأسيس فتح في أوائل الستينيات. أي قبل أن تسيطر إسرائيل على أراضي يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وغزة.
من ١٩٤٨ حتى ١٩٦٧، كانت يهودا والسامرة تحت الحكم الأردني، وغزة تحت السيطرة المصرية. ولهذا نصّت المادة ٢٤ من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٦٤ على ما يلي: “لا تمارس هذه المنظمة أية سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية، ولا على قطاع غزة، ولا منطقة الحِمّة.”
بعبارة أخرى، ما دامت تلك المناطق ليست تحت سيطرة يهودية، فقد استُبعدت بالكامل من “التطلعات الفلسطينية”. لكن في عام ١٩٦٧ احتلت إسرائيل تلك الأراضي، وفي ١٩٦٨ – ويا للمصادفة – أُزيلت المادة ٢٤ واستُبدلت بعبارة إجرائية عامة.
فقط حينها صار “تحرير فلسطين” يعني جميع الأراضي “من النهر إلى البحر”.
أي فقط الأراضي التي يسيطر عليها اليهود.
وهذا ينطبق على الأردن أيضاً. المندوبية البريطانية على فلسطين، التي أُنشئت سنة ١٩٢٠، كانت تشمل ما هو اليوم إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية (”فلسطينا الثانية” عند الرومان). وربما هذا ما يفسر لماذا ضمّت الأردن في ١٩٥٠ أراضي يهودا والسامرة وأعادت تسميتها “الضفة الغربية”. كان الهدف من التسمية محو الصلة بإسرائيل وربطها سياسياً بالضفة الشرقية.
ومرة أخرى، بعد أن حررت إسرائيل تلك المناطق، اكتشفوا الأردنيون فجأة أنها “فلسطين” منذ البداية! واليوم، الملك الهاشمي – الوافد الاستعماري الأجنبي إلى بلاد الشام – يطالب بإقامة دولة فلسطينية في مناطق كان نظامه يصفها بأنها مجرد “الضفة الغربية” لنهر يجري في أرضهم.
السخرية! “الضفة الغربية” كانت تسمية لمحو”فلسطين”، والآن يُعتبر رفض استخدامها امحوا لـ”فلسطين”!
أما السخرية الأكبر فهي أن الأردن – وهو ما يقارب ثلثي أراضي الانتداب البريطاني على فلسطين – لا يُعتبر دولة فلسطينية. بل إن نسبة الأردنيين الذين يعرفون أنفسهم كـ”فلسطينيين” (ومن بينهم الملكة) تقارب نسبة اليهود بين الإسرائيليين.
إذن، أرض أغلبية فلسطينية، مع ملكة فلسطينية، وكانت ضمن انتداب يُسمى “فلسطين”، لفلسطين. بالتأكيد ليست فلسطين التي “يجب أن تتحرر”.
لماذا؟ لأن فلسطين، مرة أخري، هي دائماً وأبداً فقط تلك الأراضي التي يسكنها اليهود وتحت أي درجة من السيادة اليهودية.
وإذا رجعنا في التاريخ، نجد أن المناطق التي سماها الرومان “فلسطين” في أوقات مختلفة (وبتقسيمات جغرافية متعددة) كانت تضم جزءاً من سيناء، جزءاً من سوريا، وجزءاً من الأردن. لكنها لم تتطابق يوماً مع الأراضي التي حصلت عليها بريطانيا في الانتداب. ومع ذلك، فإن المؤيدين ل”فلسطين” اليوم يصرّون على أن تلك الحدود البريطانية وحدها هي حدود دولتهم المنشودة.
مرة أخرى، السبب واضح: إنها فقط الأراضي التي سيطر عليها اليهود.
إن كندا، وفرنسا، وبريطانيا، وأستراليا، والنرويج، وإيرلندا، وإسبانيا، وسلوفينيا، وغيرهم من الدول التي تعترف بدولة فلسطينية على أرض إسرائيل يجب إدانتهم – لا لأنهم قوّضوت المفاوضات أو كافأت الإرهاب الإسلامي الوحشي (مع أنها فعلت ذلك أيضاً) – بل لأنها تبنّت رواية مناهضة لإسرائيل ومعادية لليهود بشكل صريح.
وأخيراً، يجدر بي أن أذكر أن التوراة تحذر بوضوح أننا سنتعرض للرعب من “لا-أمة”. ويفسّر المفسر الشهير راشي هذا التعبير الغريب بأنه يشير إلى قوم لا يملكون اسماً أو هوية مستقلة، بل جماعة أخذت اسم منطقة موجودة مسبقاً وجعلته لها.
هل هذا يبدو معتادا؟




