أنا مسلم صهيوني. اسألني أي شيء
كان حلم طفولته تدمير إسرائيل ليصبح بطلاً في العالم الإسلامي، ثم بدأ بطرح الأسئلة.
“السلام عليكم، وشبات شالوم. اسمي إبراهيم1، وأنا مسلم متدين أصولي من منطقة القوقاز”.
كانت رسالته الصوتية موجهة إليّ وإلى عائلتي، وإلى الإسرائيليين ويهود الشتات؛ لقد كان صوتاً صادقاً للدعم في خضم الحرب وتصاعد معاداة السامية عالمياً.
“كمسلم متدين، واللهِ، أنا أحب إسرائيل، وأحب الشعب اليهودي، وإن شاء الله ستتاح لي الفرصة لزيارة هذه الأمة العظيمة يوماً ما”.
التقيت بإبراهيم عبر تطبيق اجتماعي لتعلم اللغات، حيث كنت أساعد بعض الأشخاص في ممارسة اللغة العبرية. كان من الواضح أنه شاب ذكي وفضولي، ولديه استعداد للتواصل مع اليهود والصهاينة والإسرائيليين دون أحكام مسبقة. وفي أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، كان تغييرا مرحبا به حقا.
لكن الأمر لم يكن دائماً هكذا بالنسبة له.
حلم الانتقام
يوضح إبراهيم قائلاً: “كما هو حال الغالبية العظمى من المسلمين حول العالم، كنتُ معادياً للسامية لدرجة كبيرة، أكره أي شيء له صلة بإسرائيل، وأكره كل ما هو يهودي. كنت أتخيل اليهود الإسرائيليين كأشخاص يبنون دولة مزدهرة لأنفسهم على دماء ومعاناة عدد لا يعد من المسلمين الفلسطينيين”.
“كان كرهي قوياً جداً لدرجة أنه كان يراودني حلم في طفولتي، كنت أتخيل فيه أنني أغتال الديكتاتور أو المسؤول عن إسرائيل، وأنقذ إخوتي وأخواتي المسلمين من القمع اليهودي. كنت أدمر إسرائيل مرة واحدة وإلى الأبد، وأصبح بطلاً يعرفه الجميع في الأمة الإسلامية”.
كشاب بدأ إبراهيم يشك في قناعاته المسبقة. هل إسرائيل حقاً نظام قمعي للمسلمين؟ قرر أن يبحث الأمر بنفسه.
“اكتشفتُ من خلال منظمة فريدوم هاوس (Freedom House) أن إسرائيل دولة حرة. ليست ‘غير حرة’، ولا حتى ‘حرة جزئياً’. بل هي في الواقع ‘حرة’، وبدرجة عالية تثير الدهشة. أثارت هذه المعلومات لدي شكوكا كثيرة حول كون إسرائيل مجرد قوة قمعية ضد المسلمين.
“لكنني تجاهلت شكوكي استمريت في كراهية إسرائيل واليهود”.
ومع ذلك، نزاهة إبراهيم الفكرية وفضوله تغلب عليه في نهاية المطاف.
لماذا كراهية اليهود؟
“لم أكن متأكداً تماماً من هم اليهود على وجه التحديد. لقد كانوا مجرد أشخاص يُفترض مني أن أكرههم، وأردتُ أن أعرف السبب. دفعني هذا لإجراء الكثير من الأبحاث حول اليهود وإسرائيل”.
“اكتشفتُ أن هناك مليونين مواطن غير اليهود في إسرائيل، معظمهم عرب مسلمون، يعيشون بسلام ويتمتعون بنفس الحقوق المدنية التي يتمتع بها الإسرائيليون اليهود. لافتات الطرق مكتوبة بالعبرية والعربية والإنجليزية، وهناك مساجد يرفع فيها الأذان بانتظام لدعوة المسلمين للصلاة. هناك أعضاء مسلمون في الكنيست وأحزاب عربية تشارك في الانتخابات البرلمانية. هناك قضاء مستقل يحكم لصالح حقوق الأقليات، وتوجد ايضا غرف صلاة للمسلمين في مبنى البرلمان نفسه. كل ما ظننت أنني أعرفه كان مجرد ترهات”.
“لم أعد أكره اليهود. بدلاً من ذلك، بدأت أكره غبائي”.
لم يتخلَّ إبراهيم عن تعاطفه مع الناس في غزة وفي مناطق السلطة الفلسطينية.
“إنهم يعانون بكل تأكيد، ولكن ليس بسبب إسرائيل. مأساة الفلسطينيين تكمن في أنهم محكومون من قبل جماعات إرهابية لا تبالي بأي حياة بريئة، أو حياة مدنية – سواء كانت يهودية أو مسلمة”.
وهو يدرك أن “هناك ثماراً فاسدة في كل شجرة”، ولكن “الغالبية العظمى من الجنود الإسرائيليين يقاتلون بشجاعة من أجل بلدهم، ليس لأنهم يكرهون ما يقف أمامهم، بل لأنهم يحبون ما يتركونه خلفهم”.
ثم اقترح إبراهيم تجربة فكرية: “حتى لو كانت إسرائيل دولة شريرة وقمعية عازمة على قتل المسلمين وجعل حياتهم بائسة، فإنها ستظل أقل مشاكلنا كأمة إسلامية وكبشر. لقد مات من المسلمين عدد أكبر بكثير في أماكن مثل أفغانستان وسوريا والعراق – فقد قُتل أكثر من ٣٠ ألف شخص في أقل من شهر في إيران”.
الله صهيوني
لقد ترددت قصص كثيرة عن باحثين عن الحقيقة وجدوا طريقهم نحو دعم إسرائيل. ولكن، كونه مسلماً متديناً من أوروبا الشرقية، يضيف إبراهيم عنصراً آخر غير متوقع لهذه الرحلة.
“ليس هناك أي خطأ على الإطلاق في عيش الشعب اليهودي في أرض أجدادهم، التي كَتَبَ الله، سبحانه وتعالى، لهم. فالقرآن يؤكد مراراً وتكراراً أن هذه الأرض ملك للشعب اليهودي. ولا يحق لأحد أن ينتزعها منهم، أو يمنعهم من العيش في أرضهم أو تأسيس دولتهم الخاصة”.
وفي الواقع، كما أشار إبراهيم: “إن بني إسرائيل مأمورون في الواقع بسكنى الأرض التي اختارها الله لهم، وفقاً لأمر الله. وقد حُذروا من الارتداد على أدبارهم وإلا انقلبوا خاسرين“.
ومن هم الذين استمروا في الخسارة أمام الإسرائيليين لأكثر من ١٠٠ عام؟ إنهم أولئك الذين يحاولون منعهم من العيش في أرضهم.
“لا أدري إن كان ذلك تدخلاً إلهياً أم بفضل ذكاء الشعب اليهودي، ولكن تقريباً كل حروب إسرائيل كانت أعمالاً ناجحة للدفاع عن النفس. لقد انتصرت إسرائيل، وليس هناك أي خطأ في ذلك على الإطلاق”.
وبناءً على أبحاثه التاريخية وفهمه للقرآن، يطلق إبراهيم على نفسه الآن لقب “مسلم صهيوني”.
ويضيف: “الغالبية العظمى من المسلمين يظنون أنهم مسلمون صالحون بكراهيتهم لإسرائيل، لكن الأمر على النقيض تماماً. إذا كنت معادياً للصهيونية، وإذا كنت تكره إسرائيل، وإذا كنت لا تؤمن بأن للشعب اليهودي الحق في الحكم الذاتي والعيش بسلام في أرض أجدادهم القديمة، فأنت إذن مسلم سيئ”.
من الأفكار الخاصة إلى غرف الدردشة العامة
كان إبراهيم متردداً في مشاركة آرائه بشكل صريح لفترة طويلة، حتى في المنتديات عبر الإنترنت.
“كتمتُ آرائي الحقيقية حول إسرائيل والشعب اليهودي لأن جميع المسلمين من حولي تقريباً، وأولئك الذين أقابلهم عبر الإنترنت، يكرهون إسرائيل أو لديهم آراء سلبية عن اليهود. ومع ذلك، وبعد العديد من التفاعلات الإيجابية مع الإسرائيليين، قررت أخيراً أن أعرف نفسي كمسلم صهيوني. لماذا أضيع وقتي على تطبيق يُفترض أن يكون مكاناً للتعلم عن الثقافات المختلفة إذا لم أكن منفتحاً وصادقاً بشأن حقيقتي وما هي آرائي الفعلية؟”
ثم جاء دور غرف الدردشة. اختار لها عنواناً: “أنا مسلم صهيوني.. اسألني أي شيء”، ودعا العالم للدخول.
كانت ردود الفعل سريعة وقاسية.
“لقد أصبحت مكروهاً من قبل أغلب الإخوة والأخوات المسلمين الذين أقابلهم عبر الإنترنت. غالباً ما يتم وصفي بالجبان، والمجنون، والمريض نفسياً، ويتم تهديدي بنار جهنم الأبدية. لكن لحسن الحظ، لم أتلقَ حتى الآن أي تهديدات جدية بالقتل، وإن شاء الله لن يحدث ذلك أبداً”.
هناك من يدخلون غرف دردشة “المسلم الصهيوني” من أجل نقاش صادق، وآخرون يدفعهم الفضول الحقيقي. بالنسبة لكثيرين، ربما يكون إبراهيم هو أول مسلم يقابلونه ويجهر بصهيونية.
“عندما أعبر عن آرائي في غرف دردشة مسلمة أو شرق أوسطية أخرى، فغالباً ما يتم طردي فوراً، أو مقاطعتي والصراخ في وجهي ونعتي بألفاظ نابية – ثم طردي. وحتى عندما يتم التسامح مع وجودي في دردشة إسلامية، فإنهم يبذلون قصارى جهدهم لإقناعي بكراهية اليهود أو إسرائيل. وقد تكرر هذا الأمر إلى حد ما في نقاشات مع ملحدين معادين للصهيونية يعتقدون أن اليهود أشخاص خطرون يسعون للسيطرة علينا”.
لكن إبراهيم وجد أيضاً مجتمعاً جديداً من الحلفاء:
“لقد تلقيت حباً ودعماً غير مشروط من جميع أصدقائي اليهود والإسرائيليين. إنهم يتقبلونني كما أنا ولا يحاولون أبداً تغيير رأيي تجاه ديني. المسيحيون المؤيدون لإسرائيل يحبونني ويحترمونني أيضاً، لكنهم غالباً ما يعتقدون أنني سأترك الإسلام قريباً لأنني صهيوني. ولا أستطيع إقناعهم بأنني لستُ صهيونياً رغم كوني مسلماً؛ بل أنا صهيوني لأنني مسلم”.
ورغم نشاطه عبر الإنترنت، حتى الآن لم يكشف إبراهيم عن آرائه الصهيونية لأي شخص في حياته الواقعية؛ فهو يعتقد أن الثمن الشخصي سيكون باهظاً جداً: “إذا فعلتُ ذلك، فإن أول من سينقلب ضدي هم أفراد عائلتي”.
المسلمون الصهاينة ليسوا وحدهم
إبراهيم ليس وحده في موقفه المؤيد للصهيونية القائم على الإسلام؛ ففي الآونة الأخيرة، بدأ بتعزيز تحليله الإقناعي بقائمة تضم سبعة من العلماء والمثقفين المسلمين:
تشبيه سيد (توفي عام ٢٠١٧ ): صحفي ومثقف باكستاني-أمريكي دعم إسرائيل بقوة وتحدث بإيجابية عن الصهيونية.
توفيق حميد: مصلح مصري وإسلامي سابق، دعم علنًا حق إسرائيل في الوجود وعزز السلام مع اليهود والإسرائيليين.
محمد توحيدي: رجل دين شيعي عراقي-أسترالي، يُلقب غالباً بـ “إمام السلام”، دعم إسرائيل علناً ودعا إلى التطبيع الإسلامي اليهودي.
عبد الله الهدلق: مثقف ومعلق كويتي دعم علناً التطبيع مع إسرائيل وأعرب عن إعجابه بالصهيونية.
لؤي الشريف: باحث وناشط سعودي في مجال حوار الأديان، يدعم المصالحة الإسلامية اليهودية والتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل.
بسام طويل: صحفي ومعلق، يُعرف غالباً بأنه فلسطيني أو عربي إسرائيلي، دافع عن إسرائيل وحق اليهود في تقرير المصير القومي.
عبد الهادي بالاتزي: إمام والأمين العام للجمعية الإسلامية الإيطالية، معروف بمواقفه اللاهوتية المؤيدة لإسرائيل والصهيونية.
بالإضافة إلى ذلك، وكما أشار أحد الزوار في إحدى غرف دردشة إبراهيم، فإن ثاني أكبر حزب سياسي في إندونيسيا حتى عام ٢٠٢٤ كان مسلماً بشكل صريح ومؤيداً لإسرائيل في الوقت ذاته. وفي ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥ ، واجه أعضاء من “حزب نهضة الوطن” (PKB) ردود فعل داخلية عنيفة بسبب زيارتهم لإسرائيل أو تواصلهم مع منظمات مؤيدة لإسرائيل.
سلامٌ، إن شاء الله
في الرسالة الصوتية التي شاركها مع عائلتي، ختم إبراهيم قائلاً: “يوماً ما في المستقبل، إن شاء الله – قد يبدو هذا كأنه خيال وربما يضحك الناس من هذا الكلام، لكن لدي أمل قوي جداً – سيتخلص جميع المسلمين من كراهيتهم غير الإسلامية لليهود ولإسرائيل”.
“وأتمنى لجميع الناس في إسرائيل – مسلمين ويهود ومسيحيين وغيرهم – مستقبلاً عظيماً، مستقبلاً مشرقاً، وبيئة مستقرة وسلمية يمكن فيها لجميع الناس العيش جنباً إلى جنب كإخوة”.
اسم مستعار، بناءً على الطلب، لحماية خصوصية الفرد.


